الشنقيطي
407
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بين يديه معناها أمامه ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك . والمعنى لا تتقدموا أمام اللّه ورسوله : فتقولوا في شيء بغير علم ولا إذن من اللّه ، وهذه الآية الكريمة فيها التصريح بالنهي عن التقديم بين يدي اللّه ورسوله ، ويدخل في ذلك دخولا أوليا تشريع ما لم يأذن به اللّه وتحريم ما لم يحرمه ، وتحليل ما لم يحلله ، لأنه لا حرام إلا ما حرمه اللّه ولا حلال إلا ما أحله اللّه ، ولا دين إلا ما شرعه اللّه . وقد أوضحنا هذه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة شورى في الكلام على قوله تعالى : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [ الشورى : 10 ] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى : وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( 26 ) [ الكهف : 26 ] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] وفي غير ذلك من المواضع . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَاتَّقُوا اللَّهَ أي بامتثال أمره واجتناب نهيه . وقوله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 1 ) فهو سميع لكل ما تقولون من التقديم بين يديه وغيره ، عليم بكل ما تفعلون من التقديم بين يديه وغيره . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) [ 2 ] . سبب نزول هذه الآية الكريمة ، أنه لما قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلم وفد تميم ، أشار عليه أبو بكر رضي اللّه عنه أن يؤمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس ، وأشار عليه عمر أن يؤمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس ، وأشار عليه عمر أن يؤمر عليهم الأقرع بن حابس بن عقال . فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي ، فقال عمر : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما فأنزل اللّه : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ذكره البخاري في صحيحه وغيره . « 1 » . وهذه الآية الكريمة علّم اللّه فيها المؤمنين أن يعظموا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويحترموه ويوقروه ، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته ، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض ، أي ينادونه باسمه : يا محمد ، يا أحمد ، كما ينادي بعضهم بعضا . وإنما أمروا أن يخاطبوه خطابا يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض ، كأن يقولوا
--> ( 1 ) أخرجه عن عبد اللّه بن الزبير : البخاري في التفسير حديث 4847 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3266 ، والنسائي في آداب القضاة ، باب استعمال الشعراء .